الشيخ الطبرسي

466

تفسير مجمع البيان

التثقيل قوله : ( فقد كذبت رسل من قبلك ) ، وقوله : ( ألا كذب الرسل ) . وأما من خفف فقال : ( كذبوا ) فهو من قولهم كذبتك الحديث أي : لم أصدقك . وفي التنزيل : ( وقعد الذين كذبوا الله ورسوله ) وقياسه إذا اعتبر الخلاف أن يتعدى إلى مفعولين ، كما تعدى ( صدق ) في قوله ( لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ) وقال الأعشى . فصدقته ، وكذبته ، والمرء ينفعه كذابه قال سيبويه : كذب يكذب كذبا ، وقالوا : كذابا ، فجاؤوا به على فعال . وقد خففه الأعشى ، وقال ذو الرمة : وقد حلفت بالله مية ما الذي أقول لها إلا الذي أنا كاذبه ( 1 ) والضمير الذي في قوله وظنوا أنهم كذبوا للمرسل إليهم ، وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوهم فيما أخبروهم به ، من أنهم إن لم يؤمنوا أنزل بهم العذاب ، وإنما ظنوا ذلك لما شاهدوه من إمهال الله إياهم ، وإملائه لهم . فإن قلت : كيف يجوز أن يحمل الضمير في ( ظنوا ) على أنه للمرسل إليهم الرسل ، والذين قد تقدم ذكرهم الرسل دون المرسل إليهم ؟ قيل : إن ذلك لا يمتنع لأن ذكر الرسل يدل على المرسل إليهم لمقاربة أحد الإسمين الآخر ، ولما في لفظ الرسل من الدلالة على المرسل إليهم ، وقد قال الشاعر : أمنك البرق أرقبه فهاجا فبت أخاله دهما خلاجا أي : بت أخال الرعد صوت دهم ، فأضمر الرعد ، ولم يجر له ذكر ، لدلالة البرق عليه ، لمقاربة لفظ كل واحد منهما للآخر . وفي التنزيل ( سرابيل تقيكم الحر ) واستغنى عن ذكر البرد ، لدلالة الحر عليه . وإن شئت قلت : إن ذكرهم قد جرى في قوله ( أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ) فيكون الضمير للذين من قبلهم من مكذبي رسل الله ، فإن ذهب ذاهب إلى أن المعنى ظن الرسل أن الذي وعد الله سبحانه أممهم على لسانهم قد كذبوا به ، فقد أتى عظيما لا يجوز أن ينسب مثله إلى الأنبياء ، ولا إلى صالحي عباد الله تعالى ، وكذلك من

--> ( 1 ) مية : اسم امرأة و ( ما ) نافية أي : ليس الذي أقول إلا كذبا .